الثلاثاء، 18 مارس، 2014

قراءة في ثلاث روايات: ما سرّ روايات دان براون Dan Brown؟

سوء الفهم أفضل طريقة للفهم: قراءة في ثلاث روايات (ملائكة وشياطين/ شفرة دافنشي/ الرمز المفقود):
ما سرّ روايات دان براون؟
 كتبتُ هذه القراءة قبل سنوات عديدة ولم أنشرها كالكثير من الكتابات والنصوص من فترة الخصوبة، وفورة العشرينات بحيويتها ونشاطها وقبل التورط في الشأن السياسي والعمل الصحفي. والحال أنني بعد قراءة روايته الأخير "الجحيم" التي أهداني إياها الصديق رأفت الأكحلي، فتذكرت شغفي به، وقمت بإعادة قراءة هذه المادة فأعجبتني كثيراً، ياللعجب، ووجدت أنني كنت مخطئاً كعادتي، في التكديس، بعدم نشرها في حينها. ولهذا أنشرها الآن كما سأنشر مواد وقراءات أخرى مرمية هنا وهناك. لو كنت لأكتب اليوم قراءة مشابهة كانت لتكون عن شخص آخر هو، بالتأكيد، أمين معلوف أكثر من أي روائي آخر بمن فيهم ماركيز نفسه. إنه الشغف.
____________________________________________________

دان براون Dan Brown
 محمد عبده العبسي

كل أحدث رواية "الرمز المفقود"، آخر مؤلفات الأمريكي دان براون، تقوم على سوء فهم بين بطلي الرواية: الابن وأبيه. إنها التقنية السردية المفضلة لدى دان بروان. فعلى الطريقة نفسها، تقوم أحداث روايتيه السابقتين "شفرة دافنشي" 2003م و"ملائكة وشياطين" 2000م: فكرة "سوء الفهم". إن أحداث الروايات الثلاث "ملائكة وشياطين/ شفرة دافنشي/ الرمز المفقود" تبدأ نتيجة "سوء فهم" وتنتهي إليه. وما بينهما من أحداث متسارعة محاولة للفهم لا أكثر. وبروان ليس موهوباً وبارعاً في حبك "سوء الفهم" بين أبطال رواياته وحسب، بل هو بارع أكثر في فهم وتفسير سوء فهم الناس، خارج الرواية، للفنون، أو اللغة، أو التاريخ: تاريخ التنظيمات السرية والمجتمعات الباطنية التي نشأت نتيجة القمع الديني من الكنيسة الكاثوليكية وخصوم تقليدين هم أنفسهم ضحايا سوء فهم.
بصورة مكبرة يمكن القول إن الحياة برمتها، وليس هذا الاعتقاد أو ذاك السلوك، عبارة عن سوء فهم خالص: سوء فهم البشر لبعضهم البعض، كحتمية اجتماعية، وسوء فهم حاجاتهم الأساسية كالسلطة والمال والدين والجنس والقانون.. الخ والتحكم بها وصراعهم عليها.
حتى التفسيرات الدينية، والنظريات العلمية المختلفة، ما هي إلا سوء فهم -أو محاولة فهم بعبارة ألطف- بين الإنسان والطبيعة. إنه يحاول باستمرار فهم السنن الكونية التي تغير، بمضي الزمن وبفعل التراكم، قوانينها ومعتقداتها وعلومها.
سوء الفهم (أو محاولة الفهم) هو محرك أساسي للإنسان في الحياة وهو، من ناحية أخرى، الكأس المقدسة لدان براون وإن لم يقل هو ذلك بصريح العبارة. ينبغي عند قراءة روايات هذا الرجل، وإن بدت بوليسية إلى حد ما وغارقة في المؤامرات، استعادة عبارة بلزاك الشهيرة: "على الرواية أن تنافس في دقتها سجل الأحوال المدنية" وهي كذلك: دقةً وحبكة.

سوء فهم الجمعيات السرية: "دفاعاً" عن الأقليات ومحاولة فهمها
لـ"دان براون" ثلاث روايات تدور أحداثها حول الحركات السرية والمجتمعات الباطنية، بطلها واحد هو "روبرت لانغدون" الأستاذ الجامعي في هارفارد المتخصص في الفنون والرموز الدينية والمجتمعات السرية الباطنية. لا يقوم الأستاذ الجامعي بفك الرموز وتحليلها فحسب. بل إنه، معتمداً على بنك معلومات دقيقة، يعيد قراءة التاريخ الديني والسياسي المسيحي ككل.
ثلاث روايات عن ثلاث منظمات سرية أسيء فهمها على مر التاريخ، حسب إدعاء براون، وألصقت بها تهم عدة كعبادة الشيطان والسحر الأسود والسعي للسيطرة على العالم وغيرها. وهي:
1-            الطبقة المستنيرة أو المستنيرين (Illuminati) في رواية ملائكة وشياطين وجاليليو جاليلي هو الشخصية التاريخية المستدعاة في الرواية كأحد معلمي وقادة جماعة المنوّر ولارتباط رموز التنظيم وخفاياه بأعماله مباشرة.
2-            أخوية سايون الدينية "فرسان الهيكل" في رواية شفرة دافنشي، وليوناردو دافنشي هو الشخصية التاريخية المستدعاة في الرواية بصفته المعلم الأكبر في الأخوية حسب وثائق اللوفر السرية 1975م، ولارتباط رموز التنظيم وخفاياه بأعماله مباشرة.
3-            البنائين الأحرار "الماسونيين" في رواية الرمز المفقود 2010م، وإسحاق نيوتن هو الشخصية التاريخية المستدعاة في الرواية كأحد معلمي الأخوية السرية ولارتباط رموز التنظيم وخفاياه بأعماله مباشرة.
توم هانكس في دور البطل البروفيسور لانغدون في الشفرة
حجر الزاوية هنا ان التمويه نظام دفاعي موجود لدى قطاع واسع من الحيوانات في الطبيعة حتى أنه ليس في مقدورنا التعرف، مثلاً، على أسماك الجلاخ المتخفية في شكل قطعة مرجان ملونة. أو التعرف على أسماك الهوشع المتلونة حسب لون القاع الذي تسبح فوقه. كما إن بعض الفراشات والنحل والفخاخ تتلون بلون المحيط البيئي الذي تتواجد فيه تخفياً من أعدائها ومن أجل اصطياد فرائسها في آن.
هانكس في فيلم انجلز & دومنيز
من هذا المنطلق يتعاطف "دان براون" مع الجمعيات السرية كـالمستنيرين (Illuminati) في الملائكة، و"فرسان الهيكل" في الشفرة، والماسون في الرمز المفقود. إنه ينظر إلى سرية هذه التنظيمات وغموضها بعين المتعاطف لا المحقق: لقد قام أعضاء هذه الجمعيات بسبب الاضطهاد الديني بالتمويه والتخفي بنفس طريقة الأسماك والفراشات والفخاخ في الطبيعة. هذه طريقتها في الاستمرار.
"محاكاة الطبيعة" هذا كل ما في الأمر: إنه نظام دفاعي. وبالتالي فكل ما يقوم به دان براون -الروائي الحاذق- هو الكشف عن نظام التمويه هذا، إنما بتمويه واحتراف. والتمويه، كما وصفه هو نفسه، عبارة عن "إخفاء الأشياء من دون إخفائها".
زهرة الزنبق
مثلاً، ودفاعاً عن سرية الماسونيين، يقول براون: "هل شركة كوكا كولا جمعية سرية؟ بالطبع لا. لكن لو أن شخصاً من خارج الشركة ذهب وطلب وصفة المشروب ومقادير صنعه هل سيتم إعطاؤه إياها؟ مؤكد لا. كذلك بالضبط الماسونية: "هي نظام يحجبه المجاز وتوضحه الرموز". ويضيف: "الماسونيون أكثر المنظمات التي أسيء فهمها على مر التاريخ واتهمت بعبادة الشيطان والسعي من اجل السيطرة على العالم. وكل هذا بسبب أننا نخاف ما لا نفهم". 
على كلٍّ روايات دان براون أشبه بعملية البحث عن الكنز. إنه روائي ماكر يجعل سوء الفهم أفضل طريقة للفهم.

تشويه التاريخ بسبب "سوء فهم 3 كلمات:
"هل ترى تمثال النبي موسى"؟
وفي وسع المرء، من مبنى الكابيتول في العاصمة الأمريكية واشنطن، رؤية شرفة يصطف عليها 16 تمثالاً برونزياً أحدها المقصود. هذا التمثال عن النبي موسى، بالإضافة للآلاف من الصور المسيحية، تصوّره بشكل مريع: بقرنين! والسبب في تقديره "سوء ترجمة سفر الخروج": سوء فهم النص المترجم بلغة هذا المقال.
إن النص العبري الأصلي "يُظهر أن لموسى (كاران أو باناف) أي "بشرة وجه تشعُّ بالنور". ولكن حين وضعت الكنيسة الكاثوليكية الترجمة اللاتينية الرسمية أساءت ترجمة وصف موسى وجعلته cornuta esset facies sua أي لوجهه قرنان! ومن تلك اللحظة والفنانون والنحاتون يصوّرون النبي موسى بقرنين خوفاً من التعرض للملاحقة إن لم يتبعوا الكتاب المقدس حرفياً"!
ويضيف: "انه خطأ بسيط ارتكبه سان جيروم عام 400م والنتيجة: تشويه صورة موسى عبر التاريخ". كانت كلمة تشويه وصفاً ملطفاً، يقول، فقد شعر في طفولته بالرعب لدى رؤية قرنِي موسى في لوحة مايكل أنجلو التي تشكل التحفة المركزية في بازيليك سان بيتر (الفاتيكان) في روما".
هذا مثال بسيط يوضح كيف أن سوء فهم كلمة واحدة يشوه تاريخ نبي، أو رمز، أو جماعة. ومن شأن اللغة، على أية حال، أن تسهم في إخفاء الحقيقة. وهذا ما عالجه من قبل في رواية شفرة دافنشي مع كلمة أخرى، أكثر أهمية، أُسيء فهمها تاريخياً أيضاً.  
المجدلية 
إن كلمة (SanGreal) تعني الكأس المقدسة (التي يعتقد أن المسيح شرب بها في العشاء الأخير) لكن كلمة (SangReal) تعني دم ملكي: أي ذرية السيد المسيح من المجدلية حسب معتقد جماعة سايون.
في الرواية الثالثة، وعلى نحو لغوي أيضاً، أسيء فهم كلمة أخرى أقل أهمية لكن أكثر تشوهاً من سابقتيها. إنه الهرم الماسوني: "لقد علقت في الأذهان أن كلمة (legend) تعني أسطورة لكن كلمة (legend) تعني حقيقةً، ولدى الماسونيين، مفتاح أو خريطة. وبالتالي فالهرم الماسوني ليس أسطورة خيالية وإنما هو "خريطة تكشف مخبأ".
وخلف كل واحدة تتكشف العديد من القضايا التي أسيء فهمها تاريخياً.

والعكس: سوء فهم الرموز والطقوس بسبب تشويه التاريخ!
بوسيدون ورمحه
كان دان براون محقاً وهو يقول: "أن تشرح لأحدهم معنى رمز ما كأن تقول له كيف يجب أن يشعر عند سماع أغنية ما". هذا ما شعرت به وأنا أكتب. إن "غطاء الرأس الأبيض الكو كلوكس كلان يستحضر في الذهن صوراً من الكراهية والتمييز العنصري في أمريكا. لكن نفس الزي يحمل معنى دينياً لأحد المعتقدات في اسبانيا ويرتديه القساوسة". وهذا سوء فهم عفوي بصري.
هناك المزيد:  

شوكة "بوصيدن" إله البحر لدى الإغريق أصبح اليوم "شوكة الشيطان". و"قبعة العجوز" الحكيمة في التراث القديم، أصبحت اليوم رمز "الساحرة الشمطاء". وهذان نموذجان على سوء الفهم المتعمّد -بخلاف الأول- الذي تقوم به عادةً السلطة الدينية الجديدة لتقويض تراث ومعتقدات السلطة القديمة.
الشيطان ورمحه
وبالمثل: تعرضت النجمة الخماسية- وهي بالمناسبة رمز الدروز وعدد من الفرق الإسلامية من الشيعة الإسماعيلية- للتشويه التاريخي المتعمد.
كانت النجمة الخماسية لدى القدماء رمزاً للجمال والحب، وهي اليوم النقيض: رمزاً للحرب والشر. بل زيادةً في تشويه الرمز الوثني: ترسم النجمة الخماسية اليوم على جميع الطائرات وأكتاف الجنرالات في أمريكا"! وتقدم في أفلام هوليود على أن لها علاقة بعبادة الشيطان. "النجمة الخماسية رمز ديني قديم. إنها تمثل النصف المؤنث في كل الأشياء الأنثى المقدسة". وترمز حقيقةً إلى فينوس رمز الجمال والحب الأنثوي الجنسي (النجمة الشرقية عشتار وعشتروت) والمرتبطة بالطبيعة والأرض الأم".
علم المغرب والنجمة الخماسية
"ولا علاقة لها بلك"
يقول المؤلف على لسان بطل الروايات الثلاث البروفيسور روبرت لانغدون: "لقد دمِّرتْ رمزيتها عبر التاريخ".
ويضيف: "الرموز شديدة المرونة. وقد قامت الكنيسة الكاثوليكية القديمة بشن حملة شعواء لتشويه رمز النجمة الخماسية لكسر شوكة الثقافات والديانات السابقة وتقديمها على أن أصحابها هم عباد الشيطان. وهذا على أية حال "أمر شائع في أزمنة الاضطرابات. فأي قوة حديثة صاعدة تستولي على الرموز وتحقرها عبر الزمن في محاولة لمحو معناها الأصلي. وقد ربحت الكنيسة الكاثوليكية الحرب" حسبما يدعي.
كذلك "بافوميت" تعرض للتشويه المتعمد فترتب على ذلك سوء فهم الرمز تاريخياً.
كان "بافوميت"، وفق المؤلف، طقساً يبجل الالتقاء الخلاق للاتحاد الجنسي. لكن البابا "كليمانت" أقنع الجميع أن رأس بافوميت هو رأس الشيطان! والاعتقاد المعاصر الذي يقول إن الشيطان المعروف بإبليس هو ذو القرون دليل دامغ على نجاح حملة الكنيسة. غير إن بعض موائد الشكر الأمريكية ما تزال تبجل بافوميت.
كما انه يظهر في إشارة المقاومة والصمود وفي رفع إصبعين خلف صورة شخص تقصد بممازحته أنه شخص خصب".
بافوميت
إشارة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات.

سوء فهم التاريخ الديني والمعلومات إجمالاً:
كأن "دان براون" متخصص في تصحيح كل ما له علاقة بسوء الفهم الجمعي: أكانت معلومات عامة، أو أحداث تاريخية، أو لوحات وأعمال فنية، أو آثار ومعالم معمارية بارزة، على سبيل التنويع.
مثلاً، إن الاعتقاد العابر للقارات حول أن شبكة الانترنت اختراع أمريكي خاطئ. يصحِّح المؤلف هذه المعلومة بلوحة برونزية صادمة في مركز CERN تقول: "جائزة ARS إلكترونيك للابتكار الثقافي في عصر التكنولوجيا الرقمية للسيد "تيم برنرز" والمركز الأوروبي للأبحاث النووية CERN لاختراعهم شبكة الانترنت العالمية" التي كانت مجرد شبكة داخلية للتواصل بين علماء المركز.
بيغ بانغ
وبنفس الطريقة، وبشكل عفوي غير قصدي في السرد، يصحّح معلومة أكثر حساسية وعلمية: نظرية الانفجار العظيم "البيغ بانغ" الشائع أنها لعالم فلك هارفارد، الأمريكي "أيدوين هابل".
"تلك حماقة أمريكية أخرى!" كانت فكرة تبنتها الكنيسة الكاثوليكية عام 1927م بعد أن اقتراحها الراهب "جورج لو ميتر" قبل نشر هابل للنظرية وبرهنتها بعامين بخلاف الاعتقاد السائد!
حتى الكرفتة مادة لسوء فهم.
في "الرمز المفقود" وعلى لسان روبرت لانغدون -بطل الروايات الثلاث- يؤكد "أن أصل كلمة (كرافات) مشتق من عصبة قاسية من المرتزقة الكروات الذين كانوا يعقدون مناديل حول أعناقهم قبل خوض المعركة". نافياً الادعاءات "أن أصل ربطة العنق يرجع إلى الفاسكاليا الحريرية التي كان يضعها الخطباء الرومان لتدفئة أوتارهم الصوتية". وكأن الهدف من هذه المعلومة لفت الانتباه إلى مفارقة كيف أن "الزي الحربي القديم يزين أعناق محاربي المكاتب الإداريين اليوم"!
وكما في المعلومات والاكتشافات العلمية كذلك الأمر فيما يتعلق بالتاريخ الديني والسياسي المسيحي وهو الأهم والأكثر حساسية.
لقد عمد براون، في شفرة دافنشي، إلى تقديم "تاريخ بديل" عن السيد المسيح بوصفه نبياً عظيماً وليس ابناً لله -قريباً من النظرة الإسلامية والفرقة النسطورية المسيحية المحرمة- إضافة إلى كونه زوجاً لمريم المجدلية وأباً له ذرية من نسلها كما تعتقد أخوية سيون الدينية.
لوحة العشاء الأخير لدافنشي
إن الكأس المقدسة، حسب إدعاء براون، هي المجدلية وذريتها وليست الكأس التي شرب بها المسيح في العشاء الأخير سارداً، بشكل عفوي سلس وغير قصدي، أكثر من دليل: بدءاً ببعض الإشارات في الأناجيل المحظورة (الأبوكريفا). مروراً بمعنى كلمة (SangReal) وانتهاءَ بلوحة معلم أخوية سيون ليوناردو دافنشي "العشاء الأخير": يظهر في اللوحة 13 قدح، بعدد الجالسين في العشاء الأخير، بخلاف الرواية المشهورة عن تمرير قدح واحد بين الحواريين على أنه دم يسوع. ويضيف متسائلاً: لِم لم تحظ آثار أخرى بنصف الاهتمام الذي حظيت به الكأس المقدسة كتاج ثوران أو الصليب الأصلي الذي صلب عليه المسيح؟ وهذا وجيه.
سوء فهم آخر في التاريخ الديني:
إن الحروب الصليبية، وليس هذا جديداً، كانت لأهداف سياسية أُسيء فهمها. الشائع في الغرب أنها "كانت من أجل حماية الحجاج إلى بيت المقدس غير إن ذلك لم يكن إلا غطاء سياسياً لتلك الحروب" حد تعبير براون. لقد كان هدف فرسان الهيكل "الوصول إلى وثائق قديمة تحت أنقاض معبد هيرودوت كما ولنقل رفات المجدلية". ومعلوم في كتب التاريخ الإسلامية وحتى المسيحية كم ارتكبت في هذه الحروب من جرائم بشعة ضد المسلمين مر عليها المؤلف سريعا! (صدم الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف الرأي العام الغربي في أول أعماله "الحروب الصليبة من وجهة نظر عربية" 1983م)


سوء فهم الكنائس والأماكن الأثرية: المخفي من تاريخها
الهرم الزجاجي للوفر

يحرص المؤلف "أو البروفيسور روبرت لانغدون" على تقديم تاريخ بديل أيضاً، غير الشائع، في موضوعات عدة: كالفن والمواقع الأثرية والأماكن المقدسة باعتبارها حقائق تعرضت للإخفاء -أو التشويه التاريخي المتعمد- فأسيء فهمها بالضرورة!
في موضوعة "الأمكنة والمواقع الأثرية" يستعيد المؤلف، في رواية الكود، الطقوس الاحتفالية الباريسية التي كانت تتم عند "قوس كاروسيل" للربط بين ماضي وحاضر هذه المساحة التي شيِّد عليها عام 1980م الهرم الزجاجي الحديث لمتحف اللوفر.
 في ملائكة وشياطين يستعيد العكس:
 "التاريخ الأسود" لأحد أشهر آثار العالم وروما. عند مرور الطائرة النفاثة فوق روما القديمة يشاهد البروفيسور "لانغدون" المدرج الروماني الكولوسيوم الذي يعتبره "من أعظم سخريات التاريخ"! ذلك أنه "يرمز في أيامنا هذه إلى ازدهار الثقافة والحضارة البشرية في حين أن هذا المدرج شيِّد، أصلاً، ليستضيف قروناً طويلة من الهمجية البربرية: كالأُسُود الضارية التي كانت تنقضّ على المساجين، وجيوش الرقيق التي كانت تتقاتل حتى الموت، والاغتصاب الجماعي لنساء غريبات، وعمليات قطع الرؤوس والاخصاء العلني..الخ. غير إن البشر استفادوا، على الأقل، من الطبيعة الهندسية للمدرج الروماني فحلت محل هتافات جماهير المتحاربين هتافات سلمية، في عصرنا، لجماهير كرة القدم". 
الكولوسيوم 
يريدك "دان براون"، إذن، أن تزور أماكن مشهورة لا وفق ما هو ذائع عنها وإنما وفق الذاكرة السرية أو الخفية أو المتوهمة لهذه الأماكن. 
كأن تشاهد في وسط ساحة "سانتا بيتر" في قلب الفاتيكان مسلة كاليغولا الفرعونية المصرية، البالغ وزنها 350 طنا، متسائلاً:  
المسلة المصرية بقلب سانتا بيتر
ماذا تفعل هذه هنا؟  
 ماذا تفعل هذه هنا؟  
من الوجوه الداخلية للهيكل
ويقدم المؤلف، إغراءً لقارئه، وصفاً معمارياً دقيقاً عن كنائس وساحات ومدافن ومعالم أُسيء فهم طبيعتها الرمزية ومقاصد بنّائيها. ومن ذلك كنيسة الهيكل التي بنيت، بشكل دائري، في لندن عام 1185م بأمر "هيراكليوس" بطريرك القدس وتعد مثالاً جلياً على العمارة الوثنية
لقد "تجاهل فرسان الهيكل التصميم التقليدي في بناء الكنائس "الصليبية الشكل" وبنوا كنيسة بشكل دائرة كاملة تكريماً للشمس".
البانتيون 

أبعاد قاعة البانتيون الرئيسية في روما "كانت تقدمةً (لغايا) آلهة الأرض. كانت مقاسات هذا المبنى متناسقة ودقيقة ومضبوطة بحيث كانت تتسع بالضبط لكرة ضخمة وهائلة الحجم مع أقل من ميليمتر واحد من الفراغ". وقد قام الفاتيكان أواخر القرن الثامن عشر بنزع كل التماثيل الموجودة في البانتيون وتدميرها لأنها كلها تماثيل أولمبية وثنية". 

البانتيون من الداخل
روسيلين 
وبنيت "كنيسة روسيلين في ادنبره، عام 1446م، على أنقاض معبد مكرس لمثرا إله النور عند الفرس". فيما بنيت كنيسة "سانتا سوليبس" بباريس "فوق معبد مصري قديم مكرس لايزيس. وهي ذات الكنيسة التي شهدت مراسيم زفاف فيكتور هيجو. وتعميد ماركيز دو ساد وبودلير. وكانت حاضنة لاجتماعات سرية" وفق ادعاء المؤلف.

يجيد دان براون النسج بهذا المغزل: 
سوء الفهم. 
إن رواياته الثلاث، والسابقتين بخاصة، تقدم نظرةً تاريخية عميقة غير مألوفة لمجموعة واسعة من المواقع والكنائس المسيحية ارتبطت، تاريخياً، بحركات وجماعات سرية معادية للكنيسة كالطبقة المستنيرة في روما وفرسان الهيكل "أخوية سيون" في غير بلد ككنيستي "سانت بوليس" في باريس و"الهيكل" في لندن. أو كاتدرائية الشفرات "روسلين" في اسكتلندا.
سانتا أنجلو قصر الملاك والكنيسة التي أعدم فيها جيردانو برونو
كنيسة التنور مطلة على نهر التيبر
بالمقابل يقدم كنيسة "سانتا أنجلو" في روما لا بوصفها كنيسة تجاور الفاتيكان وتطل على نهر التيبر فحسب. وإنما بوصفها "كنيسة استُخدمت، في السابق، كمقبرة ومخبأ بابوي وسجن ومتحف و..لقاء عشيقات"!!
كان "قصر الملاك"، أحد أسماء الكنيسة، ملكاً للفاتيكان وكان بينه وبين مقر الفاتيكان ممر سري خفياً لا يزال موجودا إلى اليوم، لطالما استخدمه وفر منه أثناء الحروب باباوات روما.

والأهم من هذا كله أنها هي ذاتها "كنيسة التنور" السرية التي كان يعقد فيها جاليليو ورفاقه المستنيرون اجتماعاتهم السرية وبقيت مكاناً مجهولاً طيلة 400 عام وفق ادعاء المؤلف.

سوء فهم الفن والمغزى من أعمال بعينها:
كمثال على سوء فهم الفن:
يذكر دان براون مجموعة من الأعمال الفنية التي "كُرست للحديث عن الكأس المقدسة، بمعناها الباطني" لا بوصفها كأساً وإنما رَحماً أو امرأة (المجدلية) ومنها: رواية "احدب نوتردام" لفيكتور هوجو وسيمفونية الناي السحرية لموزارت. حتى أوبرا فاغنر بارسيفال "هي تحية للمجدلية". ولا يخلو ذلك من إيغال في أجواء نظريات المؤامرة والإسقاطات المتعسفة أحياناً. 
يقول أيضاً: "إن وجود حرف M مخفي في العديد من اللوحات كجدارية دافنشي -وأوضحها في كنيسة سيدة باريس لـ"جان كوكتو" المعلم الأكبر للأخوية- هي إشارة خفية إلى لفظة زواج "ماتيرمانيو" أو مريم المجدلية.
كذلك أعمال والت ديزني الذي اعتبره المؤلف "دافنشي العصر الحديث". إن أعمال ديزنِي "سندريلا والأميرة النائمة وبياض الثلج حتى في الأسد وسيمبا" هي تسريبات باطنية للحديث عن قصة المجدلية بطريقة خفية. لكن يظل كل ذلك مجرد تأويلات فنية وجيهة لا أكثر!
وفي الملائكة والشياطين العكس: اللوحات الدينية كلوحة مايكل أنجلو الجصية "يوم الحساب الأخير" أو "الدنيوية" الموجودة في كنيسة القديس بطرس (الفاتيكان).

يقول المؤلف: "إنها صورة مريعة طولها خمسون قدماً يظهر فيها يسوع وهو يدين الخاطئين مرسلاً إياهم إلى الجحيم. حيث جلد مسلوخ وجثث محترقة، حتى أن أحد أعداء مايكل أنجلو كان يظهر جالساً في الجحيم وتعتلي رأسه أذنا حمار!! 
وكان غي دو موباسان كتب عن هذه اللوحة قائلاً: إنها أشبه بشيء رسمه شخص جاهل بهدف تعليقه في حجرة معدة لمباراة في المصارعة".
وفي الشفرة يقدم براون قراءة حول أكثر من عمل لليوناردو دافنشي الذي كان "كثير المزاح يسلي نفسه بعضّ اليد الممدودة إليه. حيث إن في رسومه المسيحية رموز خفية وثنية ضد المسيحية" حد تعبيره.
الرجل الفيثروفي احد أهم أعمال دافينشي التي تعبر عن فلسفته الوجودية
عذراء الصخور المعدّلة
عذراء الصخور الاصلية
يقدم مثلاً لمحة قيمة عن لوحات كـ: العشاء الأخير- سيدة الصخور- الرجل الفيثيروفي- والموناليزا أشهر لوحاته التي "لم تكن أكثر من صورة عادية رُسمتْ بأسلوب سموفاتو الضبابي.

"واحدة من أكثر الدعايات في العالم".
يقول براون.
فالشهرة ليس كما يقول أصحاب النظريات والمذاهب بل لأن دافنشي عبّر مراراً أنها أهم انجازاته وكان يصطحبها معه أينما حل". 
 وفيما يتعلق الابتسامة الخفية وغموضها يقول:
 "لا غموض فيها على الإطلاق. 
لا غموض. 
لا غموض. 


الموناليزا ووجه دافنشي
لكن خط اليسار أخفض بشكل كبير من اليمين في خلفية الصورة لتبدو أكبر وأعظم من جهة اليسار: لأن اليسار يرمز، عبر التاريخ، للأنثى واليمين للرجل. كاندافنشي يؤمن بالتوازن بين الأنثى والذكر: بشراً وإلهة. وبالتالي فالموناليزا خنثى: لا أنثى ولا ذكر. التحام بين الاثنين (ويقال أنه وجهه هو في الجزء الأيمن كما توصلت دراسة حديثة استخدمت أشعة اكس).
يؤكد ذلك اسمها: إن سبب تسميتها بالموناليزا أنها اندماج للفظيْ آمون (إله الخصوبة المصري) بايزيس (إلهة الجب والجمال) وايزيس، بالمناسبة، تكتب بحروف تصويرية "ليزا". أي اندماج الكلمتين في كلمة واحدة:
أمون 
ليزا- 
الموناليزا. 
ويبدو محقاً في هذه ودقيقاً.

سوء فهم أبطال الروايات لبعض: بناء الأحداث
تنشأ أحداث الرواية الأكثر مبيعاً "شفرة دافنشي" نتيجة سوء فهم البطلة "صوفي نوفو" لحادثة الاحتفال الوثني "ييروس غاموس". لقد شاهدت صوفي، من دون قصد، جدّها في مشهد جنسي غريب فسرته، بسبب سوء فهم سلوكي، على نحو ظاهري وسطحي مقررةً، بالتالي، مقاطعة جدها "جاك سونيير" أكثر من عشرة أعوام. 
و"ييروس غاموس" مصطلح إغريقي يعني الزواج المقدس ويعد احتفالا دينياً كل ألفي عام!
-"عبادة الله من خلال الجنس"؟؟!! قالت مندهشة!
نعم يقول المؤلف: إن النظرة القديمة للجنس كانت أفضل. انه يؤدي إلى خلق حياة جديدة وهو المعجزة الأعظم. فـ"المرأة التي تعطي الحياة" كان هذا أساس الأديان القديمة. فالولادة كانت حدثاً سحريا ومؤثرا. لأنها كانت تؤدي إلى خلق كائن جديد. وعملية الخلق لا تأتي إلا من إله بحق". 
وبالمثل: تنشأ أحداث رواية "ملائكة وشياطين" نتيجة سوء فهم مماثل بطلاه السكرتير البابوي والبابا نفسه.
"الابن والأب" في عبارة ذات دلالة أعمق.
قال الأخير، في لحظة مكاشفة نهاية الرواية، للأول أنه "تبنى ولداً في السر"! وهنا كانت الصدمة. لم يكن يتصور قط أن يكون البابا مجرد محتال. هل يصدق أذناه؟ هل يصدق أن البابا، الذي يفترض أن يكون بتولاً عازباً، له ولدٌ في السر"!
"لقد حنثتَ بنذورك" خرج الكاهن الشاب من الحجرة راكضاً قبل أن يشرح الأمر. كان عليه الانتظار. لكن السكرتير البابوي "كارلو فنتيريسا" غادر المكان سريعاً. عندما عاد لم يكن ليسمع أي كلمة. فقد عزم على قتل البابا الذي ربّاه كما لو أنه ابنه. وضع المخدة في فم هذا الكاذب وحقنه بجرعة إضافية قاتلة من دوائه اليومي "الهيبارين". فرأى، على ضوء القمر، في عينيه كلاماً طويلاً كان ينبغي عليه، هو أكثر من غيره، سماعه!
كان البابا يحاول أن يقول له: "يا كارلو أنتَ هو ولدي في الحقيقة".
في الحقيقة "لم يحنث البابا بنذوره وظل عفيفاً بتولاً ولم يتصل بامرأة قط طوال حياته. لكنه أحبّ راهبة عفيفة ورعة مثله حباً شديداً. وذات يوم جاءته والدة "كارلو" حاملةً جريدة تتحدث عن معجزة علمية جديدة هي "أطفال الأنابيب" منحتهما أعظم شيء يُحرم منه رجال الدين الكاثوليك: الولد. أو الابن الذي سيقتل أباه بسبب سوء فهم بسيط: أيضاً وخصوصاً!
إن أحداث الروايات الثلاث تبدأ نتيجة "سوء فهم" وتنتهي إليه. وما بينهما من أحداث متسارعة محاولة للفهم ليس إلا.
بتعديل طفيف في مسار أحداث الروايات الثلاث يتأكد استنتاج قراءتي:
a)         كان على "صوفي نوفو"، في شفرة دافنشي، أن تفهم أن ما شاهدته في القبو كان طقساً دينياً، وفق ما يدعي المؤلف، وزواجاً وثنياً وليس ممارسة جنسية.
b)         وكان على "كارلو فنتيرسا"، في ملائكة وشياطين، أن يفهم أن البابا أبوه حقيقةً لا مجازاً وأنه لم يحنث بنذوره المقدسة قط.
c)          وكان على "مالأخ"، في الرمز المفقود، أن يفهم أن أبوه تركه في السجن ورفض أن يعطي مدير السجن التركي المال حباً فيه لا كُرهاً له وحتى يتعلم لكنه أساء فهم الدرس الأبوي!
المسألة كلها متعلقة بسوء الفهم.
ثمة قاسم مشترك آخر، أقل تورية وأكثر حذقاً، بين أبطال الروايات الثلاث: إنها العائلة.
"صوفي وكارلو" كلاهما لا يعرفان حقيقة عائلتهما الحقيقة، بخلاف "مالأخ" الذي لم يعرفه والده لا العكس.
الموت أيضاً "حبل سرة" بين أبطال الروايات الثلاث:
لقد مات البابا في ملائكة وشياطين وهو يحاول إخبار "كارلو" بحقيقة عائلته وأنه هو والده.
ومات "مالأخ" في الرمز المفقود وهو يخبر والده "بيتر سولومون" أنه ابنه.
ومات "سونيير" في الشفرة وهو يحاول إخبار صوفي بحقيقة عائلتها وأنها من نسل زواج المسيح مريم المجدلية وإنجابهما طفلة اسمها "سارة" وفق ما تدعي أخوية سيون الدينية "فرسان الهيكل" التي رأسها، كما كشفت الوثائق الخاصة في متحف اللوفر عام 1975م، شخصيات شهيرة من مثل: دافنشي ونيوتن وبوتشيلي وكان آخرهم حسب الوثائق المعلم الباريسي جون كوكتو.
ثمة قواسم مشتركة بين أبطال الروايتين السابقتين أكثر:
معاق في الشفرة هو الفارس "لاي لاينيغ".
ومعاق في الملائكة هو "ماكسمليان كوهلر" مدير مركز CERN الذي يشبه إلى حد كبير، حقيقةً لا مجازا، أشهر فيزيائي القرن: ستيفن هوكينج بكرسيه المدولب الالكتروني.
ستيفن هوكينج
كأن براون يحاول القول: "لا تغرنكم الإعاقة". 
الروساء أيضاً: بوش في الـ"ملائكة وشياطين" وفرنسوا ميتران في "شفرة دافنشي".
يلمح دان بروان أيضاً إلى استنتاجين مهمين لكنهما لا يعدوان كونهما افتراضيين لا أكثر ولا أقل: متحف اللوفر بباريس هو المقر الجديد "للكأس المقدسة" لفرسان الهيكل. بينما مركز CERN بجنيف هو المركز الرئيس الجديد للطبقة المستنيرة.
قاسم مشترك أعمق وذو خلفيات دينية لمؤلف وثني: من يريد الوصول إلى الكأس المقدسة "لابتيغ" لا يصل ومن لا يريد، على العكس منه، يصل أي "لانغدون".
في الرمز المفقود أيضاً: أراد مالأخ الوصول إلى الحجر الماسوني فلم يصل والعكس: كان لانغدون يعتبر الأمر خرافة وإذا به يصل إليه.
في الملائكة: نعم ولا. على أن من المهم الإشارة إلى أن كل الأحداث تتم بعفوية وسلاسة ومن دون تخطيط وقصدية من البطل وفي وقت ضيق: 24 ساعة زمن أحداث روايتي "الملائكة والشفرة"، و12 ساعة زمن أحداث الرمز المفقود. وهنا تتجلى فرادة وبراعة المؤلف.
هل أضيف إن القتل سمة مشتركية أيضاً؟
يقتل في المشهد الأول من "شفرة دافنشي" جاك سونيير قيّم متحف اللوفر، ويقتل في المشهد الأول من "ملائكة وشياطين" العالم الفيزيائي في مركز سيرن CERN بجنيف "ليوناردو فيتر". سوء الفهم، أيضاً وخصوصاً، وراء القتلتين.
ورجل دين، لاحظوه، في الحالتين!
بل إن "جاك سونيير" في الشفرة ضحية سوء فهم جماعي: ضحية سوء فهم حفيدته صوفي أولاً. وضحية سوء فهم قاتله (الأداة) الراهب "سيلاس" عضو الجماعة الكاثوليكية المحافظة (أوبوس داي) ثانياً. وضحية سوء فهم تاريخي لأخوية سيون "فرسان الهيكل" التي يرأسها هو، ثالثاً. كما أنه، قبل ذلك كله ومعه، ضحية سوء فهم صديق وزميل مفرط الحماسة: المؤرخ والفارس البريطاني "لاي لاينيغ" الذي أساء فهم أسطورة "نهاية الأيام" فاعتقد خطأً أن الكنيسة مارست الضغوط على الأخوية لئلا تكشف حقيقة "الكأس المقدسة" فدبّر، وفق سوء الفهم هذا، عملية قتل المعلم الأكبر للأخوية "جاك سونيير" ورفاقه لاعتقاده أنهم "خانوا الكأس المقدسة": سلسلة معادلات من سوء فهم!
مسرع الجزئيات في مركز سيرن تحت الأرض
وبالمثل: يقتل في ملائكة وشياطين العالم الفيزيائي"ليوناردو فيتر" بسبب اكتشافاته العلمية والدينية المذهلة التي أساء فهمها سكرتير البابا "كارلو فنتيريسا".

**                      **

وقفة إضافية مع رواية "ملائكة وشياطين"
1
تقوم رواية "ملائكة وشياطين" لـ"دان براون" على معلومة سرية وردت، بشكل مخفي، في مخطوط قديم كتُب في القرن السادس عشر اسمه "بيان أو تخطيط الحقيقة" ومؤلفه أشهر من أن يعرّف به. إنه جاليليو جاليلي (1639م) الفلكي الإيطالي الشهير. كانت المعلومة عبارة عن قصيدة مكونة من أربعة أبيات كتبها "جون ميلتون" في القرن السابع عشر تحيةً وتقديراً لجاليليو في محنته الشهيرة مع الكنيسة. غير إن القصيدة لم تكن واضحة للعيان. وإنما كانت مخفية جداً في حاشية الصفحة "على جوانبها الأربعة" وقد كتبت بخط غير مقروء. (يتم تصويرها بوضوح في الفيلم السينمائي من إخراج: رون هاورد).
قامت مجموعة من الرجال في روما في القرن الخامس عشر، نتيجة ضغوط وتهديدات الكنيسة، حسب إدعاء المؤلف بتأسيس جماعة الطبقة المستنيرة (أول جمعية فكرية وعلمية) (Illuminati) مناهضة للمسيحية. واتسمت بشعائر وطقوس غامضة وسرية مفرطة إلى حد الموت إلى أن أصبحت القوة الوحيدة المناهضة للمسيحية على الأرض فأطلق الفاتيكان على هذه الأخوية: أخوية الشيطان".
بحلول عام 1630 كان قد ذاع صيت جمعية جاليليو التنويرية (Illuminati)، وبدأ العلماء يتوافدون من أنحاء أوروبا سراً للانضمام إلى الطبقة المستنيرة وليحظوا بفرصة النظر إلى السماء عبر مقراب (تلسكوب) جاليليو. "كانت الطبقة المستنيرة (Illuminati) بحاجة إلى الأعضاء الجدد لكنها لم تكن بحال من الأحوال لتجازف بالكشف عن أماكنها السرية خشية بطش الكنيسة". لذلك، ونتيجة القمع الديني، فقد قاموا بإنشاء 4 كنائس سرية تدل عليها أربعة تماثيل "فن ديني" من جملة تلك التماثيل المنتشرة في روما، حتى لا يكشف أمرهم بسهولة، وصولا إلى كنيسة التنوّر" التي ظلت لـ400 عام مجهولة على الرغم من أنها بجوار الفاتيكان.
قصيدة جون ميلتون، المشار إليها، هي بمثابة بوصلة إرشادية سرية لأي شخص يريد الالتحاق بالطبقة المستنيرة يتوجب عليه أن يتبع، بدقة وذكاء، الإشارات الرمزية الواردة في القصيدة من أجل الوصول إلى كنيسة التنور. وذلك بالمرور عبر "درب التنور" أو "مذابح العلم" وهي الكنائس الأربع كما أسماها المستنيرون (Illuminati)، والتي تتوزع هندسياً، على شكل صليب، يتخلل العاصمة الإيطالية روما.
تقول الأبيات الشعرية الأربعة:
"من ضريح سانتي الترابي وثقبه الشيطاني
تتصالب عبر روما العناصر السرية
إن درب التنور قد رسمت وكذلك الاختبار القدسي
فدعوا الملائكة تقودكم في ضالتكم السامية"
إن الرواية المكونة من قرابة 600 صفحة من القطع الكبير عبارة عن بحث شيق عن "درب التنور" المذكور في هذه القصيدة. ومعلوم أن في روما العشرات من التماثيل التي تصور "الملاك" المشار إليه في القصيدة. إذن فالملاك لم يكن في الحقيقة مجرد نحت تصويري ديني. وإنما هو مرشد يدل الأعضاء الجدد على كنائس الطبقة المستنيرة. وقد وضعها فنان من القرن السادس عشر هو الرسام والنحات الشهير "برنييني". ذلك الفنان الذي كان يعمل، بشكل حصري، لدى الفاتيكان لكنه كان سراً معلم الطبقة المستنيرة المجهول كما تدعي الرواية.
غير إن اكتشاف "درب التنور" ليس بالأمر السهل. حتى على "روبرت لانغدون" أستاذ الفنون والرموز في هارفارد وبطل ثلاث روايات للأمريكي دان براون. خصوصاً لو لم يكن لديك من الوقت إلا 5 ساعات قبل الانفجار العظيم. لكن ما الذي جعل بطل الرواية "البروفيسور لانغدون" متأكداً من أن خارطة درب التنور مذكورة في مؤلف قديم لجاليليو كان الفاتيكان قد صادره من هولندا ولا توجد منه إلا نسخة في أرشيف الفاتيكان السري الذي يتطلب الدخول إليه إذناً خطياً من البابا نفسه.
الإجابة على هذا السؤال تكشف عن إحدى وسائل الإخفاء الذكية التي تتقنها عدد من الجمعيات السرية، كالطبقة المستنيرة، حول العالم، لكنها تكشف أكثر عن براعة المؤلف وحرفيته العالية.

2
(503) ما الذي يعنيه هذا الرقم؟
كان "روبرت لانغدون" أستاذ الفنون بهارفارد، واقفاً بالقرب من البحيرة في عرس ابن أحد زملائه، يتأمل المركب القادم من بعيد وهو يشق ماء البحيرة بلطف. لقد جاء العروسان على متن مركب خاص زُين بأكاليل من الزهور وكان يحمل في مقدمته عَدَداً رومانياً بارزاً هو (DCII).
بشكل عفوي بريء سأل "لانغدون" والد العروس في حيرة الباحث الأكاديمي: (إلامَ يرمز الرقم 602 على المركب؟ فردّ عليه الأب بدهشة: "وأين هو الرقم 602" روبرت؟ فأشار أستاذ هارفارد إلى المركب قائلاً: "DCII هو العدد الروماني المطابق لـ602". فانفجر والد العروس ضاحكاً وقال: (مركب DCII يعني مركب ديك DC وكوني II أي اسمي العروسين). وهنا تمكن البروفيسور لانغدون من فك الشفرة للمرة الأولى، وأصبح متيقناً أن كتاب جاليليو "البيان"، هو دون غيره، الذي يحتوي على خارطة أو قصيدة درب التنور
لماذا يرد الرقم (503) باستمرار في وثائق الطبقة المستنيرة ورسائلها السرية؟
لطالما سأل "روبرت لانغدون" نفسه هذا السؤال. ثمة شفرة، لا ريب، مفتاحها هذا الرقم. ترى هل للرقم 5 علاقة بالنجمة الخماسية وفينوس؟ ربما. هل للرقم 5 علاقة بفيثاغورث؟ من يدري. أو لعل الرقم 3 هو الرقم المقدس عند المستنيرين: كل هذه الافتراضات ذهبت أدراج الريح في تلك اللحظة أمام مركب الزفاف.
إن الرقم 503 هو، بالضرورة، يطابق رقماً رومانياً. وبما أن العدد الروماني (DCII) الذي على القارب يطابق الرقم (602). فإن الرقم (503)، الذي يرد مراراً وتكراراً في وثائق الطبقة المستنيرة، يطابق العدد الروماني (DIII). وهي، حسب المؤلف، "عبارة عن مختصرات قديمة جداً كان العلماء يستخدمونها للتمييز بين مؤلفات جاليليو الرئيسية الثلاثة
1- كتاب (الحوار Dialogo).
2- كتاب: (أحاديث Discorsi حول حركتي المد والجزر).
3- كتابه الأهم: (البيان Diagramma بيان أو تخطيط الحقيقة).
أي أنها اختصار الحرف الأول من عناوين كتب جاليليو الثلاثة: Dialogo و Discorsi وDiagramma. أي: دي واحد، دي اثنين، دي ثلاثة، وفق نظام الأعداد الرومانية: DI- DII- DIII=  (DIII). وهي إذن شفرة ذكية تم إخفاؤها فيما يقابله في نظام الأعداد الرومانية وهو الرقم 503. الإشارة موجودة، قطعاً، في كتاب (البيان Diagramma) لجاليليو. وفي أرشيف الفاتيكان تبين للانغدون انه على صواب.


3
عام 1668م قامت الكنيسة الكاثوليكية بقتل 4 من أعضاء جماعة المستنيرين (Illuminati) ووسمت صدورهم برمز الصليب من أجل التطهير عن الذنوب التي افترضت أنهم قد ارتكبوها. هذه المعلومة التي لا تعدو عن كونها حادثة قتل عابرة حدثت في أوروبا وتحدث في كل مجتمع، وكل حضارة بشرية تقريباً، هي جزء رئيسي من مخطط احترافي لكتابة رواية "ملائكة وشياطين" لدان براون.
يستدعي المؤلف هذه المعلومة التاريخية بذكاء، ثم يعيد تركيب أحداث الرواية في اتجاه معاكس بناءً عليها. حيث تقوم جماعة المستنيرين (Illuminati) باختطاف أربعة كرادلة، هم النخبة بعد البابا، من أجل قتلهم بعد وسمهم بأربعة أوسام خاصة بجماعتهم، ويمكن قراءتها من الجهتين، وذلك ثأراً وانتقاماً على العلماء الأربعة الذين وسمتهم الكنيسة عام 1668م.
العين بالعين. والسن بالسن.
بحسب المؤلف فقد أدى اعتقال جاليليو إلى ارتباك الجماعة فانكشف أربعة من العلماء الذين قامت الكنيسة بتعذيبهم ووسمهم ثم قتلهم ورمي جثثهم في الشوارع لتحذير الناس من خطورة فصل الدين عن العلم". ففر أعضاء الجماعة المستنيرة خارج ايطاليا منذ ذلك الحين وأصبحوا جماعةً سرية لكن ها هم اليوم يعودون للانتقام من الكنيسة.
غير إن تهديد المستنيرين (Illuminati) أكثر خطورة. ذلك أنهم قاموا بسرقة المادة المضادة مركز الأبحاث النووية الأوربية CERN بجنيف، لتدمير مدينة الفاتيكان بضوء شعاع عبر هذه المادة (الانتمنير) فائقة التدمير. ذلك أن  10 ملي غرامات فقط من المادة المضادة، أي ما يساوي حجم حبة رمل، تولد كمية من الطاقة تضاهي 200 طن متري من وقود الصواريخ". 
فكيف حصلت الأخوية على هذا السلاح؟

4
يقتل في المشهد الأول من رواية "ملائكة وشياطين" العالم الفيزيائي"ليوناردو فيتر" بسبب اكتشافاته العلمية والدينية المذهلة التي أساء فهمها سكرتير البابا "كارلو فنتيريسا" الشخصية الثانية في الرواية.
كان "فيتر" فيزيائياً ورجل دين معاً "ثيوفيزيائياً" وهو علم جديد. وكان يعتبر الفيزياء "شريعة الله الطبيعية" فأستنبط أو اخترع المادة المضادة "أنتمينتر" وأثبت في مركز الأبحاث النووية الأوربية CERN بجنيف، بشكل قطعي، صحة نظرية الانفجار العظيم. كما أثبت، فيزيائياً، إمكانية إيجاد شيء من لا شيء أو خلق مادة من العدم. 
ينص أهم قوانين الفيزياء وأولها على "أن المادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم". الأمر الذي يتعارض، جوهرياً، مع نظرية "الانفجار العظيم" في تفسير خلق الكون كما يتعارض مع ما نص عليه الكتاب المقدس: "قال الله للنور كنْ فكان. وقال للظلمة كنْ فكانت". غير إن هذا العالم باستنباط المادة المضادة أثبت إمكانية خلق مادة من العدم "أي أن الكون غير أزلي كما في نظرية الانفجار العظيم". وبالتالي فان ما جاء في الكتاب المقدس: "قال الله للنور كن فكان. وقال للظلمة كن فكانت" أمر ممكن فيزيائياً.
كل شيء في الكون منه زوجان: سالب وموجب. وإلكترون وبروتون. وكواركات عالية ومنخفضة: الشيء وضده حتى على مستوى الدون ذري. وحسب نظرية "الانفجار العظيم" فقد تكون عند الخلق نوعان من الطاقة: المادة "التي يتشكل منها كوكبنا" والمادة المضادة: مادة مطابقة لها في كل شيء باستثناء أن شحنات جسيماتها معكوسة. وهذا ما استنبطه العالم المقتول "فيترا" بالضبط.
لقد فتح هذا الاكتشاف آفاقاً جديدة في علوم الطاقة. ذلك أن المادة المضادة بمثابة وقود المستقبل على اعتبار أنها طاقة نظيفة: "بلا تعدين ولا تلوث ولا إشعاعات على البيئة". غير إن خطورتها تكمن في قوتها التدميرية الهائلة. إن 10 ملي غرامات فقط من المادة المضادة، أي ما يساوي حجم حبة رمل، تولد كمية من الطاقة تضاهي 200 طن متري من وقود الصواريخ".
وهذا، على وجه التحديد، هو الأمر الذي سيقتل بسببه "فيترا" مع سرقة حاوية "المادة المضادة". وهو الأمر الذي جعل السكرتير البابوي ينظر لاكتشاف "فيترا" لا على أنه يؤكد سفر التكوين وإنما باعتباره أمراً خطيراً يهدد العالم ويتوجب عليه إيقافه. فالبشر "لم يخترعوا سلاحاً من دون أن يستخدموه". والمادة المضادة كانت بالتأكيد ستستخدم أما والإنسان قادر من قبل على التدمير.
"عمل فيترا لم يكن دينياً وإنما مدنس للمقدسات"! قال السكرتير البابوي.
"لا يجوز للإنسان أن يضع خلق الله داخل أنبوب تجربة، وأن يلوح بالتالي به أمام العالم لكي يشاهدوه. فهذا لا يمجد الله العظيم وإنما يحط من قدره!
"الله في أنبوب تجربة" قطيرة من سائل أصبح بإمكانها أن تمحي مدينة بالكامل من الوجود! كان ينبغي عليّ إيقافه".
هكذا كان يفكر الكاهن الشاب: "أنا وأنت كلانا يبحث عن إله مختلف!
من هو إلهك؟
إله البروتونات والكتل وشحنات الجسيمات؟ وكيف يوحي إلهك؟ وكيف يدخل إلى قلب الإنسان ويذكره بأن وجوده ناجم عن قوة أكبر منه وأعظم".
في الحقيقة "كانت عناوين الصحف تتحدث كل يوم عن معجزات علمية جديدة. لكن كم مر من الزمن على آخر معجزة دينية؟
متى كانت آخر مرة سار فيها أحدهم على الماء؟
كل المعجزات الحديثة تنتمي إلى العلم: الكمبيوتر اللقاحات المحطات الفضائية، وحتى عجيبة الخلق الإلهي: مادة من لاشيء في مختبر. من بحاجة إلى الله. كلا الله هو العلم. 
لهذا يقررالسكرتير البابوي كارلو أن يقوم بمعجزة بوصفه مخلصاً. "الناس بحاجة إلى معجزة ما توقظ هذا العالم النائم". وكانت معجزته أن يقتل فيترا ويأخذ المادة المضادة ويزرعها في قلب الفاتيكان ثم ينقذ هو، أمام العالم وكاميراته، الكنيسة من الانفجار
"أحيي المخاوف القديمة ثم اسحقها". 
العلم والشيطان وجه واحد". 
رواية ملائكة وشياطين، في تقديري الشخصي، هي الأعمق فنياً والأكثر براعةً والأقل إثارةً وخفة. إنها تعيد صراع جاليليو والكنيسة، بطريقة معاصرة، فائقة الجمال والعبقرية.
على كلٍّ روايات دان براون أشبه بعملية البحث عن الكنز.
إنه روائي ماكر يجعل سوء الفهم أفضل طريقة للفهم.

**                             **

وقفة إضافية مع رواية شفرة دافينشي


1
"إن كل شيء له علاقة بجاك سونيير يبدو أنه يحمل معنىً خفياً غير الذي تقوله كلماته". هذه العبارة التي ترد في نهاية الرواية على لسان بطل رواية شفرة دافينشي البروفسور روبرت لانغدون، ليست عبارة عابرة وإنما هي بمثابة القلب: العضلة الأكثر نبضاً في رواية "شفرة دافنشي" التي حققت نجاحاً لا مثيل له في نسب البيع.
يقتل "جاك سونيير" قيّم متحف اللوفر فيكتب، مخافة أن يضيع السر، لحفيدته "صوفي نوفو" وليس للشرطة رسالةً غريبة على أرضية "الغراند غاليري" في اللحظات الأخيرة قبل موته. لكن ما كتبه القيم لم يكن رسالة عادية وإنما لغزاً عصياً على الفهم. أو بالأحرى شفرةً ذكية للغاية، هذا نصها:
(13- 3- 2- 21- 1- 1- 8- 5    
أيها الشيطان المتوحش
أيها القديس الضعيف
P.S آت بروبرت لانغدون)
تتصاعد أحداث رواية "شفرة دافنشي" بدءاً من هذه الرسالة التي وجدها محققو الشرطة القضائية الفرنسية جوار جثة القيّم. لم تكن الرسالة وحدها هي الغريبة فحسب. فقد كانت جثة القيم في حال أغرب. ذلك أنه نزع ملابسه ورسم على صدره، مستخدماً دمه كحبر، نجمةً خماسية وثنية بارزة فيما كان ذراعاه ورجلاه قد فردهما إلى الخارج في وضعية نسر مجسداً واحدة من أشهر لوحات ليوناردو دافينشي: الرجل الفيتروفي. وهذا ما سيقضي الليلة في تفسيره "روبرت لانغدون" أستاذ الفنون في جامعة هارفارد وبطل ثلاث روايات للمؤلف الأمريكي "دان براون".
وبخلاف منطق الأمور فإن قيّم متحف اللوفر كتب في لحظات احتضاره عبارات وأرقام مبهمة ومشفرة لا حاجة لها إذ كان يكفي أن يكتب اسم قاتله وحسب وبقلم مرئي وليس بقلم حبر ذو ضوء أسود يحتاج إلى ضوء خاص من أجل قراءته. لقد استخدم القيّم قلم الحبر المائي الذي يستخدم لوضع علامات غير مرئية على المواد في المتاحف لكونه ذي أساس كحولي لا يسبب تآكل المواد. الأمر الذي استخدمه نقيب الشرطة القضائية الفرنسية "بيزو فاش" كمبرر وجيه للاستعانة بخبير رموز مسح اسمه من على أرضية الجراند جاليري قبيل وصوله إلى متحف اللوفر.
يتم استدعاء البروفيسور "روبرت لانغدون" إلى اللوفر للاستفادة من خبرته في تفسير الرموز وتحليلها. غير إن الحقيقة أن النقيب "بيزو فاش" كان يرغب في استجواب البروفيسور "لانغدون"، قبل اعتقاله، من دون أن يشعره أنه المشتبه به الوحيد في جريمة القتل. فقد كان على موعد مع القيم في ليلة الحادثة واسمه مدون في مفكرته. فضلا عن أن اسمه، وهذا أهم دليل، كان قد كتبه القيم بيديه على أرضية الغراند غاليري "P.S آت بروبرت لانغدون".
غير إن كل كلمة في تلك الرسالة، المكتوبة على في مسرح الجريمة، كما في مجمل روايات المؤلف، تحمل معنى في قلب معنى. ولها أكثر من تأويل. وموجهة لعدة أشخاص. وهذا ما برع فيه دان براون بحق.

2
التورية هي "إخفاء معنى في قلب معنى". ولأنها كذلك فهي تنتج أكثر من تفسير وقراءة وأكثر من فهم، أو سوء فهم، إزاء كل حادثة أو شفرة أو موقف، سواء من قبل القراء أو من قبل أبطال وشخصيات الروايات. وهي التقنية التي يفضلهان ويبرع فيها، كما سبق، المؤلف دان بروان. هذه بعض النماذج المبسطة على ذلك من رواية شفرة دافينشي.

1- النجمة الخماسية:
لماذا رسم القتيل نجمة خماسية على صدره؟
كان هذا السؤال الأول لدى محققي الشرطة الفرنسية. بالنسبة للمحقق "فاش" فان النجمة الخماسية تعني: "عبادة الشيطان". لكنها تعني لحفيدة المقتول صوفي: "لفت انتباهي إلى لعبة كنا نلعبها سوياً هي أوراق الشدة الخاصة بالطالع". أما بالنسبة للبروفسيور لانغدون فإنها تعنى أمراً أبعد وأخطر: أخوية سيون الدينية. إنه عضو في المنظمة السرية دون شك. وهكذا نحن إزاء رمز ديني فسره كل واحد من هؤلاء الثلاثة تفسيراً مختلفاً عن الآخر: الأمر كله يتعلق بسوء الفهم.

2- "P.S" في مسرح الجريمة:
"P.S" تعني عادةً ملاحظة. فهي اختصار لـ: (Post رسالة. وScript حاشية). هذا ما يعتقده الجميع. وعلى وجه الخصوص "فاش" ومحققي الشرطة الفرنسية الواصلين أولا إلى مسرح الجريمة، وهذا المعنى أو التفسير الأول والأبسط والأسرع تبادراً إلى الذهن.
لكن الـ"P.S" تعني للبطلة "صوفي نوفو" شيئاً خاصاً حميمياً اعتادت عليه في لغة المحادثة العائلية بينها وبين جدها المقتوك الذي كان يناديها "p أميرتي s صوفي". وبالتالي فهي على قناعة تامة أن جدها "جاك سونيير" كتب لها قبل موته شفرة مفادها "آت بروبرت لانغدون" أما لماذا فلا تدري. الأمر الذي يدفعها إلى تهريب "لانغدون" من قبضة الشرطة. وهذا المعنى أو التفسير الثاني.
غير إن هذان المعنيان يبقيان ظاهران وحسب. إذ ثمة معنى آخر أكثر ترميزاً وأشد إخفاءً وحذقاً. وهو المعنى الذي سيتذكره في اللحظات الأخيرة "روبرت لانغدون" قبيل مغادرة اللوفر: إن الـ"P.S"، في معناه الثالث، هو شعار أو رمز أخوية سايون. فزهرة الزنبق إذا اجتمعت بالحرفين رمز الأخوية الرسمي وشعار النبالة الخاص بهم. وهذا المعنى أو التفسير الثالث والأعمق.

3- الشفرة الرقمية (1123581321): متوالية فيبوناتشي
ذات الشيء يقال عن الشفرة الرقمية (1123581321)؟
إنها تعني للمحقق "فاش" شيئاً بسيطاً، وتعني لـ"صوفي" شيئاً مختلفاً تماماً، بينما هي للبطل البروفيسور لانغدون ذات معنى أكثر عمقاً وتورية. وفي النهاية يتبين إن هذه الأرقام تخفي شيئاً لم يخطر ببال أي من الثلاثة، وأبعد من تفسيراتهم المختلفة التي لم يخلو أي منها من شيء من الصحة والصواب. إنها -إلى جانب كونها شفرة- باسورد لحساب بنكي في مصرف سويسري.
وهكذا في كل مرة: إخفاء معنى داخل معنى. وفي كل مرة يتشكل لدى كل واحد من شخصيات الرواية فهم أو تفسير مختلف عن الآخر: فالمحقق "فاش" فسر الشفرة الرقمية (1123581321) بذهينة رجل أمن إنها "أرقام هاتف أو منزل القاتل". هذا ما ذهب إليه تفكيره.
الحفيدة صوفي رأت فيها معنى آخر. هي تعرف جيداً أنها "أشهر المتواليات الحسابية وقد اختراعها عالم الرياضيات "ليوناردو فيبوناتشي" في القرن الثالث عشر. لكن لا معنى لها في هذا السياق، معتقدة أن جدها كتبها على أرضية اللوفر، من باب التمويه، من أجل إرسال صورة لقسم الشفرات –الذي تعمل فيه- حتى تتمكن من الإطلاع على الرسالة وحدها". بمعنى أن جدها أرادها أن تكون موجودة في مسرح الجريمة قبل أن يتم تغيير المسرح من قبل الشرطة، أو نقله لقسم الأدلة الجنائية.
أما البروفيسور لانغدون فإنه يذهب بعيداً ويكتشف معنى باطنياً خفياً خلف هذه الأرقام. إنها أرقام غير مرتبة. وبالتالي فلا معنى لها إلا عند ترتيبها. كذلك لا معنى للعبارة المكتوبة على مسرح الجريمة: "أيها الشيطان الضعيف أيها القديس المتوحش" بجوار الأرقام إلا عند إعادة ترتيبها. إنها شفرة: "جناس تصحيفي". وسرعان ما يتضح صحة كلام لانغدون. هذه "ابسط طريقة في كتابة الشفرات". إن الترتيب العشوائي لمتوالية فيبوناتشي هو مفتاح لفك الشفرة. "إن الأرقام هي إشارة خفية تدل على طريقة فك تشفير بقية أجزاء الرسالة.
"أتظن أن هذه لعبة أحرف كالتي في الصحف"؟ قالت في تهكم.
لم يستغرب لانغدون فقد كان يعرف أن قلة من الناس تعرف أن إعادة ترتيب أحرف الكلمات بشكل عشوائي لتشكل كلمات جديدة كانت عملية تتمتع بتاريخ غني من الرمزية المقدسة. في حين أنها اليوم مجرد كلمات متقاطعة في الصحف للتسلية.
إن تعاليم طريقة "الكابالا" اعتمدت تلك الطريقة بحذافيرها بإعادة ترتيب أحرف الكلمات لتشكيل كلمات عبرية جديدة. وقد أطلق الرومان على دراسة تلك العملية: "آرس ماغنا" أي الفن العظيم. واعتقد ملوك فرنسا بالعصور الوسطى إن لهذه قوة سحرية. فعينوا موظفين ملكيين لمساعدتهم على اتخاذ قرارات أفضل من خلال تحليل كلمات موجودة في وثائق هامة.
وبالفعل، عند إعادة ترتيب الأرقام والعبارة اكتشف البروفيسور لانغدون أن العبارة كانت شفرة. وعند إعادة ترتيب حروف الكلمة أتضح أن عبارة "أيها الشيطان الضعيف أيها القديس المتوحش" تعني حرفياً: "ليوناردو دافنشي- الموناليزا". بمعنى اذهبوا إلى اللوحة الموجودة على بعد أمتار من الجثة في متحف اللوفر. أرادها إذن أن تصل إلى الموناليزا قبل أي أحد آخر. الأمر الذي فات محققي الشرطة الفرنسية وتوصلت إليه الحفيدة بمساعدة البروفيسور الذي تظنه الشرطة القاتل المطلوب.
وهكذا.. غادرا سريعاً الغراند غاليري إلى أهم قاعات اللوفر: قاعة الدول. وهناك أمام لوحة الموناليزا كان جاك سونيير قيم المتحف قد كتب عبارة أخرى "شفرة ثانيةً" بذات القلم غير المرئي هي: "مظلم جدا خداع الرجل". العبارة، في الظاهر، مجرد جناس تصحيفي كالسابق يقود إلى شفرة استبدال أخرى. لكنها في الحقيقة تحتوى على معنى باطني سرعان ما اكشفه البروفيسور لانغدون. انه سر الأخوية الذي يشيرون إليه بـ"مظلم جداً خداع الرجل". العبارة التعريفية الخاصة بأعضاء جمعية سيون.
ويتضح عند ترتيب أحرف عبارة "مظلم جداً خداع الرجل" المكتوبة على زجاج الموناليزا أنها عبارة عن شفرة استبدال ثانية و"جناس تصحيفي" آخر يخفي خلفه عبارة: "مادونا أوف ذا روكس". وبالتالي فهي تقودهم إلى لوحة أخرى لدافنشي في نفس قاعة الدول داخل اللوفر: فـ"مادونا أوف ذا روكس" هي لوحة "سيدة الصخور". وخلف هذه اللوحة يجد البروفيسور وحفيدة القيّم مفتاحاً يبدو، من الأحرف المحفور عليه التي يتم قراءتها بالليزر، انه مفتاح حديث. ومن اسم الشارع "هكسو24" المحفور عليه يدرك البطلان أن هذا "مفتاح خزنة في فرع بنك زيوخ السويسري في باريس". وعلى المفتاح ما يؤكد صحة تفسير البروفيسور وخبير الرموز الدينية لانغدون: زهرة الزنبق "رمز الأخوية" وشعارها الـ" P.S".
لكن لعبة التورية وإخفاء معنى داخل معنى لا تنتهي عند هذا الحد. في بنك زيورخ سيقول لهما لاحقاً مدير بنك زيوخ أن عليهما إدخال رقم الحساب المكون من عشرة أرقام مع المفتاح. في هذه اللحظة سيكتشف لانغدون مدى عبقرية الضحية "جاك سونيير". ذلك أن الشفرة الرقمية (1123581321) لم يكن الهدف منها كل ما سبق من شفرات وحسب، وإنما، هي أيضاً، باسورد لحساب الخزانة أودع فيها القيم سراً يستحق كل هذه الشفرات والمتاهات الرقمية.
الهدف من لعبة الكلمات هذه إذن الوصول إلى هذا المفتاح والخزنة في البنك السويسري. ولأن قيم متحف اللوفر في الدقائق القليلة المتبقية من حياته، وبسبب قطيعتها عن حفيدتها منذ 10 سنوات، لم يكن يريد أن يقع هذا المفتاح بيد الشرطة وإنما بيد حفيدته صوفي، لهذا السبب ابتكر لعبة الأحاجي هذه بذكاء وعبقرية، مستخدماً أو مستعيناً بخبير الرموز الدينية وبطل رويات دان بروان.
ذات الشيء عن العديد من الرموز والاشارات في الرواية كخط الدم الكنيسة وخط الاستواء، وكذا نجمة دؤواد والغريل والهرم الزجاجي...إلخ. كما يبدو لافتاً أن ثلاثة أشياء أساسية وردت في مسرح الجريمة، وهي: لوحة دافنشي – النجمة الخماسية – ومتوالية فيتوناتشي جميعها مترابطة ببعض، ويجمع بينها موضوع هام في الفن: إنه الرقم المقدس الإلهي فاي PHI الذي يعد بمثابة "حجر بناء أساسي في الطبيعة".

4- شفرة الفارس والبابا
رحلة البحث الكنز أوصلت لانغدون وصوفي إلى فتح الكريبتكس الذي أخرجاه من خزنة في بنك زيوخ وفيها شفرة إضافية على هيئة أبيات شعرية نصها:
في لندن يرقد فارس دفنه بابا
جلبت له ثمرة أعماله عقاباً إلهيا
أنت تبحث عن كرة ملكية موجودة على قبره
تحكي قصة جسد وردي ورحم حمل روحاً في قلبه
سوء الفهم أيضاً هو محور هذه الأبيات التي تحمل أكثر من شفرة: فارس دفنه البابا. لعله يقصد قتله البابا. أدرك البروفيسور أن الأمر لا يعدو كونه تورية أخرى. الفارس هو السير إسحاق نيوتن دون شك، لكن المشكلة أن نيوتن مدفون في دير "وستمنستر"مركز البروتستانتية الانجليزية. وبالتالي فمن المستحيل أن يحضر مراسم جنازته بابا كاثوليكي. هذا هو الاستنتاج الأول الذي خلص له لانغدون.
غير إن بطل الرواية أكتشف أثناء البحث، بشكل عرضي، أن جاك سونيير هو بحق ملك التورية والإخفاء. فالمقصود بالبابا في القصيدة ليس بابا الفاتيكان الكنيسة الكاثوليكية. وإنما المقصود هو ألكسندر بابا صديق نيوتن الذي ترأس مراسم نيوتن: الأمير الذي ترأس أخوية جمعية سايون حسبما كشفت الوثائق السرية في العام 1975م.
أما كلمة السر التي فتح بها لانغدون الكريبتكس، وهي ذاتها التي جلبت على نيوتن عقاباً إلهية، فقد كانت سهلة وبسيطة أكثر مما يتصور المرء: "تفاحة". ذلك أن التفاحة هي التي بسببها خرجت حواء من الجنة. وهي التفاحة التي سقطت على رأس نيوتن فألهمته أهم أعماله "اكتشاف الجاذبية" الذي تسبب في غضب الكنيسة.
وهكذا على امتداد الرواية.

إن عمليه التشفير Encryption أو Encipher يقول المرلف "هي عمليه تحويل النص الأصلي إلى نص آخر غير مفهوم بطرق رياضية في الغالب. كان لانغدون قد درس مجموعة مخطوطات تعتمد مبدأ فرانسيس بيكون تضمنت شيقرات نقشية فيها سطور معينة كانت مفاتيح تدل على كيفية حل شيفرة السطور الأخرى.

**                                    **
(صور عن متوالية فيبونشاني والرقم الذهبي فاي)


**                                    **

تأكيداً لكل ما سبق، هذه نماذج مختصرة منتخبة من روايتي ملائكة وشياطين وشفرة دافنشي على سوء الفهم الذي يعتمده دان بروان كتقنية أساسية في الكتابة والسرد:

ملحق 1: 
بعض حالات سوء الفهم في ملائكة وشياطين:
1-      سوء فهم لانغدون للمتصل الذي حصل على رقم هاتفه من موقعه على اعتبار "نحن من اخترعنا الانترنت".
2-     سوء فهم لانغدون اسم منطقة جنيف (شمال نيويورك) وجنيف السويسرية.
3-    سوء فهم العمود الأيوني في مركز CERN بهدف الدعابة وكيف أخذ يشرح، بحماسة مؤرخ متخصص، خطأ التسمية إلى أن قال له مدير سيرن إن المقصود بأيوني المعنى الفيزيائي: يحتوي على الأيونات.
4-    سوء فهم غرض التشويه واقتلاع العين التي تخدم هدفاً سامياً.
5-                 سوء فهم فيتوريا لقول لانغدون أن علاقته بالمستنيرين بدأت بسبب المال.
6-                 سوء فهم قائد الحرس السويسري لنوايا لانغدون وفيتوريا وإضاعة وقتهما.
7-                 الفهم على دُفع (بالتقسيط): كيف كوّن لانغدون في ذهنه صورة تقليدية عن أرشيف الفاتيكان. "عبارة عن رفوف متراصة فوق بعض مغبرة. عليها مجموعة من الكتب البالية" ثم أخذ كعادته يُصحح الصورة بالتدريج: "سراديب كتيمة (جدران زجاجية) سادة للهواء تمنع تسرب الرطوبة ويتم التحكم من الخارج بكمية الهواء الداخل إليها" حتى لا يتسبب عاملا الرطوبة والحرارة بتآكل المخطوطات التي من ورق الرق.
8-                 سوء فهم أصل كلمة لوسيفر (التنور العلمي).
9-            سوء فهم لانغدون وفيتوريا لكمبيوتر أرشيف الفاتيكان والطريقة المتبعة للأرشفة: أهي بالحروف، بالزمن، بالموضوع، ثم تصحيح الصورة بالتدريج كعادته السردية.
10-         سوء فهم لانغدون لـ(DCII) المكتوبة على القارب وكيف سأل والد العروس.
11-         سوء فهم الكنيسة الأولى في قصيدة جون ميلتون كفخ ذكي نصبه المؤلف للقارئ من أجل زيارة البانتيون (أقدم كنائس روما) خطأً والحديث عنها في سياق الرواية بشكل عفوي: غير قصدي كعادته المفضلة في السرد.
12-         مجادلة لانغدون لفيتوريا عندما قالت له إن برنيني (رئيس السلطة الفنية العليا للفاتيكان) هو ذاته نحّات الطبقة المستنيرة المجهول وكيف ظل يحاول إقناعها بخطأ ما تقول إلى أن قرأ نص اللافتة: "إن جميع التصاميم في الكابيلا بما فيها الأهرامات من تصميم جيانلورنزو برنيني" فسكت.
13-             سوء فهم ذخائر القديس بطرس: "إنها طيلسانات اكليركية يقدمها البابا للكرادلة الجدد". صدمت فيتوريا وتذكرت قصص الحجاج الذين جاؤوا لرؤية الصندوق الذهبي ظناً منهم أنها تحتوي على ذخائر القديس بطرس. حينها تقول للسكرتير البابوي: (ألا يجدر بالفاتيكان أن يطلع الناس على الحقيقة؟) فقال لها: (جميعنا يستفيد من حس الاتصال بالإلوهية حتى ولو كان ذلك مجرد وهم أو خيال). الاتصال بالإلوهية عن طريق سوء فهم! وقتها تذكرت كعالمة فيزياء أنها: "قرأت أبحاثاً حول التهدئة والإرضاء كإقناع مريض بالسرطان أن حبة الأسبرين (التي لا يدري أنها أسبرين) هذه قد صنعت خصيصاً لشفائه فإذا بحالته الصحية تتحسن لمجرد اعتقاده، واهماً، أنه تناول دواء عجائبياً".
14-         سوء فهم لانغدون لليمامة المعدنية فوق برج نافونا في ساحة برنيني واعتقاده بدايةً أنها حمامة حقيقة. ثم، وبالتقسيط، يتذكر أنها الرمز الوثني للملاك.
15-             سوء ظن الجميع بكوهلر عدا فيتوريا وروشيه. وطبعاً سوء الظن سوءُ فهم.
16-         سوء فهم الجميع لسلوك السكرتير الأخير (أخذ القنبلة والتحليق بها بالهيلكوبتر واعتقادهم خطأً أنه يضحي بنفسه لأجلهم والكنيسة).
17-             سوء فهم لانغدون لعبارة كارلو "إلى فوق" داخل سان بيتر وعلى الهيلوكبتر.
18-         سوء فهم الكرادلة لما حدث في ساحة الفاتيكان "سان بيتر" وانتخابهم كارلو تأثراً بما حدث حبراً أعظم "بابا" باعتباره منقذ الكنيسة من القنبلة.
19-             سوء الفهم التاريخي للمستنيرين (Illuminati) وأسبابه.
20-             سوء فهم السكرتير البابوي لاختراع فيترا المادة المضادة.
21-             سوء فهم السكرتير البابوي للبابا وتبنيه ولدا سراً.
22-             سوء فهم السكرتير البابوي أخيراً لله ومشيئته.

من أعمال دافينشي ودفتر مذكراته وبعض اختراعاته واكتشافاته وتشريحه الطبي:


ملحق 2
بعض حالات سوء الفهم في شفرة دافنشي
1-    سوء فهم تفاصيل الجثة في مسرح الجريمة بمتحف اللوفر من قبل الشرطة والبطلين "صوفي ولانغدون" بدايةً وفهم مقاصدها على دُفع: بالتقسيط.
2-    سوء فهم عبارة "أيها الشيطان المتوحش/ أيها القديس الضعيف" على أرضية "الغراند غاليري" التي يتضح، بالتقسيط، أنها شفرة "جناس تصحيفي".
3-        سوء فهم سبب رسم النجمة الخماسية على صدر القتيل سونيير والتي استطاع بها المؤلف أن يوجّه السرد بذكاء. لقد جر الحديث –بشكل عفوي غير قصدي- إلى أوراق التاروت ثم النسبة المقدسة فاي PHI فالرمزية في الفن ثم دافنشي. إن لوحة الفيثروفي لدافنشي والنجمة الحماسية وتسلسل فيتوناتشي: كلها مترابطة ببعض ويجمع بينها فاي PHI
4-            سوء فهم عبارة "آتِ بروبرت لانغدون" P.S.
5-            سوء فهم الأرقام المكتوبة على مسرح الجريمة: (13- 3- 2- 21- 1- 1- 8- 5).
6-                 سوء فهم لانغدون لعلاقة صوفي بسونيير واعتقاده بدايةً أنها عشيقته.
7-            سوء فهم الكابتن فاش والشرطة لاشارة جهاز التعقب التي تم إلصاقها بقطعة الصابون واعتقادهم أنهم قفز من نافذة اللوفر.
8-                 سوء الفهم لأعمال دافنشي عموما والموناليزا خاصة.
9-                 عدم فهم لانغدون وصوفي للمفتاح إلا بعد برهة من الزمن.
10-      سوء فهم الصليب المتساوي على بوابة بنك زيورخ السويسري ثم فهمها بالتدريج على أنها شعار سويسرا
11-        سوء فهم اندريه قيزيه- مدير البنك للانغدون وصوفي واعتقاده أنهم قتلوا جاك سويير وأعضاء الأخوية الثلاثة.
12-             سوء فهم تاريخ مريم المجدلية وحقيقتها.
13-         سوء فهم قصيدة "في لندن يرقد فارس" كفخ ذكي نصبه المؤلف للقارئ من أجل زيارة كنيسة الهيكل خطأً والحديث عنها في سياق الرواية بشكل عفوي: غير قصدي كعادته المفضلة في السرد.
14-         سوء فهم كلمة البابا في القصيدة. فالمقصود بالبابا ليس البابا الكاثوليكي وإنما ألكسندر بابا صديق نيوتن الذي ترأس مراسم دفن نيوتن المعلم الأكبر بأخوية جمعية سايون كما كشفت الوثائق السرية عام 1975م.
15-             سوء فهم صوفي لحادثة الطقس الديني "ياغوس ياموس"
16-              سوء الفهم التاريخي لفرسان الهيكل وأسبابه.
17-             سوء الفهم التاريخي للكأس المقدسة: الكلمة والمعنى.
18-             سوء فهم كلمة السر: الحكمة. "بافوميت" كشفرة ومعنى تاريخي.
19-             سوء الفهم التاريخي لـ"روز لاين" خط الورد على طول شوارع باريس.
20-         سوء فهم الرموز والطقوس الدينية الدخيلة للمسيحية حسب إدعاء المؤلف: وكيف "أصبحت أقراص الشمس المصرية هالات تحيط برؤوس القديسين الكاثوليك، والرموز التصويرية لإيزيس وهي تحضن طفلها الرضيع حورس، وتاج الأسقف والمذبح والمناولة بوصفها طقوس مستمدة مباشرة من أديان قديمة. تاريخ ميلاد المسيح 25ديسمبر/كانون الأول هو أيضاً تاريخ ميلاد أوزيريس وأدونيس وكريشنا. وحتى يوم العطلة الأسبوعية الأحد هو يوم عابدي الشمس (sun day أي يوم الشمس) بدلا عن السبت" حد تعبيره وزعمه.
21-         سوء فهم الناشر لعبارة لانغدون "الكتاب الأكثر مبيعا" وتعليقه: "لا تقل لي أن قصة هاري بورتر تتحدث عن الكأس المقدسة" فردّ لانغدون: "قصدت الإنجيل". ومثلها الكثير: سوء الفهم بهدف الدعابة!
22-         سوء فهم طريقة كتابة دافنشي واعتقاد الجميع بدايةً أنها لغة باطنية قديمة في حين أنها الكتابة بالمقلوب: يمكن قراءتها بسهولة باستخدام مرآة.
23-             سوء فهم صوفي ولانغدون لحقيقة عائلتها.
24-         سوء فهم الراهب سيلاس لريمي: لقد ظن الأول لحظة تحريره أن الثاني يريد قتله. ولأكثر من صفحة ونصف، ولتظليل القارئ، سرد الروائي مشاعر وأحاسيس سيلاس تجاه الموت وربه ولماذا لم يتدخل وينقذه "لقد كنت أقوم بعمل الرب" ثم يتذكر آلام المسيح ليخفف من آلامه. وإذا به يشعر فجأة بالدم يسيل من ظهره. ثم يقرر إغماض عينيه لكي لا تكون صورة قاتله آخر صورة يراها. وإذا بمن ظن أنه سيقتله يقول له: اشرب". فيفهم الحقيقة ويقول في نفسه: تدخّل إلهي. لم يتخلى ربي عني.
25-             سوء فهم سيلاس للمهمة واعتقاده المسبق بشرّ وإجرام قتلاه.
26-             سوء فهم ارينغاروزا لنوايا المعلم وسهولة انخداعه.
27-         سوء فهم قصيدة سونيير الأخيرة روسلين "خط الورد" من لانغدون وفهم معانيها بالتقسيط.
28-             سوء فهم لانغدون أخيرا للهرم الزجاجي للوفر أو بالأحرى فهمه على نحو باطني: على دُفع.


هناك 14 تعليقًا:

ahmedeissa يقول...

رائع جداً يا أستاذ محمد ، هذا تحليل رائع لروايات دان براون ، أعجبتني الثلاث روايات على النحو التالي:-
ملائكة و شياطين و ما تحتويه من أعمال فنية شيقة ترتبط بالكاثوليكية و سرد تاريخ الفاتيكان و الحرس السويسري و نظرية المؤامرات من و ضد الفاتيكان و ما يمثله من جمود الفكر.
الرمز المفقود : حملتني إلى عالم غامض جديد سمعت عنه بل و قرأت عنه قديماً مما حداني إلى الحصول على العديد من الكتب عنه و هي جميعاً تصفه بالخبث و خداع أعضاؤه بالمحبة و المساواة و عدم التفرقة بين الأديان ثم بالتقدم في السلم حتى الإرتقاء يصطدم المرتقي إن لم يكن قد فهم قبل ذلك - بأنهم يتبعون مذهباً يقدس شعب الله المختار بزعمهم ، على العموم هي رواية أكثر من رائعة إعتمدت على حقائق كما عودنا "براون".
شفرة دافنشي : كانت صادمة لما إحتوته من دلائل تدل على كم يحيا المسيحيون في الخديعة ، بل و تحولت الخدعة إلى مصداقية وهمية يحاربون للحفاظ عليها بوصفها الحقيقة كما تسلموها من منشأيها قديماً ، لا جدال في الإسلام أن عيسى عليه السلام نبي الله و كلمته أرسلها إلى بني إسرائيل ، و لكنك تتفق معي أن قصة سيدنا عيسى يحيطها الكثير من الغموض و الإلتباس ! فلا نعرف شيئاً واضحاً عن معيشته ، فقد وصفته كتب قصص الأنبياء بأنه كان سواحاً لا تقله أرض و لا تظله سماء و لم ينم على وسادة و لم ينتعل نعلاً ، فلم يرد عنه أنه تزوج على عكس بن خالته سيدنا يحيى الذي ذكر عنه القرآن أنه سيداً و حصوراً ، أي لن يتزوج ، ثم يفاجأنا الكاتب بأنه قد تزوج بل و أنجب ذرية ما تزال تحيا بيننا ، أشارت رواية عزازيل ليوسف زيدان و المستوحاة من ترجمات برديات لراهب مصري من إخميم بصعيد مصر يسمى "هيبيا" إلى أنه قابل "الراهب نسطور" صاحب مذهب النساطرة و الذي يعترف بآدمية السيد المسيح و كيف تم دعوتهم إلى مجتمع قونية لتقرير مصير المسيحية و كيف كانت الكنيسة الشرقية المصرية بتعصبها تتزعم ألوهية المسيح ، تم دس السم إلى رئيس نسطور فانقلب أمعاؤه حتى سقطت من اسفله و تم نفي نسطور نفسه ، و قبل قسطنطين المذهب المصري حتى لا يخسر سلة غلال العالم.
الجحيم : لم تعجبني حبكتها الدرامية بل جائت طويلة و مملة ، بينما أعجبتني فكرة الوباء لإعادة دورة الحياة للأرض.
شكراً لك
أنا الآن أتابع الكاتب بول سوسمان في روايتيه "جيش قمبيز - آخر أسرار الهيكل"
أحمد عيسى - جمهورية مصر العربية
ahmedeissa5970@gmail.com

محمد عبده العبسي يقول...

سعيد جدا بقراءة تعليقك عزيزي أحم، وأكاد اتفق معك تماماً. انا ايضا لم ترقني الجحيم كثيراً، رغم جمالها.
وملاحظتك نبيهة للغاية حول النبي يحي ودقة اللفظ القراني.

رواية عزازيل من اهم واجمل الاعمال الادبية التي قرأتها على الاطلاق. قراتها مرتين وربما اقرأها للمرة الثلاثة.

للاسف لم اعد اقرأ بنفس شراهة الفترات الماضية انما ساحاول قراءة الرواية التي ذكرت،،

مودتي

Unknown يقول...

من أروع و أدق ما قرأت في تحليل أي رواية على الإطلاق
انتهيت مؤخرا من قراءة ملائكة وشياطين وشيفرة دافنشي و رغم ذلك وجدت نفسي متشوقة لكل حرف من تحليلك كاني أقرأها من جديد بنفس الشغف ..
بقي أمامي باقي روايات دان براون الرائعة ..
إلى الأمام ^^

Unknown يقول...

راااااائع

Shaaban Mohamed يقول...

شركة تنظيف بالقطيف

Shaaban Mohamed يقول...

شركة تنظيف بالجبيل

خدمات الشرقية يقول...

شركة تنظيف منازل بالقطيف
شركة تنظيف بالقطيف
شركة تنظيف بالخبر
شركة تنظيف بالدمام
شركة تنظيف بالاحساء

خدمات الشرقية يقول...

شركة كشف تسربات المياه بالخبر
شركة كشف تسربات المياه بالقطيف
شركة كشف تسربات المياه بالجبيل
شركة كشف تسربات المياه بالباحة
شركة كشف تسربات المياه بابها

شركة مكافحة النمل الابيض بالخبر
شركة مكافحة النمل الابيض بالقطيف
شركة مكافحة النمل الابيض بالجبيل
شركة مكافحة النمل الابيض بالاحساء

خدمات الشرقية يقول...

شركة تنظيف منازل بتبوك
شركة تنظيف بتبوك
شركة تنظيف شقق بتبوك
شركة رش مبيدات يتيوك
شركة نقل عفش بتبوك
شركة تنظيف خزانات بتبوك
شركة تسليك مجاري بتبوك
شركة كشف تسربات المياه بتبوك

خدمات الشرقية يقول...

شركة تسليك مجاري بالدمام
شركة تسليك مجاري بالجبيل
شركة تسليك مجاري بالقطيف
شركة تسليك مجاري بجدة
شركة تسليك مجاري بالرياض
شركة تسليك مجاري بالطائف
شركة تسليك مجاري بالباحة

خدمات متميزة يقول...

شركة المثالية للتنظيف
شركة المثالية للنظافة الشاملة
شركة المثالية للتنظيف بالدمام
شركة المثالية للتنظيف بالخبر
شركة المثالية للتنظيف بالجبيل
المثالية للتنظيف الاحساء
شركة المثالية للتنظيف بالقطيف
المثالية للتنظيف بالقطيف
المثالية للتنظيف سيهات

شركة المثالية للتنظيف بالاحساء
المثالية للتنظيف بالاحساء
شركة المثالية للتنظيف بجدة
شركة المثالية للتنظيف بالطائف
شركة المثالية للتنظيف بمكة

خدمات متميزة يقول...

شركة المثالية لمكافحة الحشرات
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالدمام
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالخبر
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالجبيل
1شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالقطيف
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالاحساء

شركة المثالية لمكافحة الحشرات بجدة
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بالطائف
شركة المثالية لمكافحة الحشرات بمكة

خدمات متميزة يقول...

شركة طيوب لتسليك المجاري تعد الشركة الاولي بالمنطقة الشرقية لتسليك المجاري وشبكات الصرف وبالوعات الصرف للمطابخ والحمامات باستخدام افضل الاجهزة الحديثة وامهر العمالة المتخصصة والمدربة علي تسليك مجاري المياه وسبكات الصرف وفق القواعد الاساسية لتسليك المجاري فتعد شركة طيوب لتسليك المجاري خير صديق لراغبي تسليك مجاري المياه فلديها افضل شركة تسليك مجاري بافضل جود وارخص الاسعار بجميع مدن ومحافظات المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية فلدينا الخدمات الاتية

شركة طيوب لتسليك المجاري
شركة طيوب لتسليك المجاري بالقطيف
شركة طيوب لتسليك المجاري بالدمام
شركة طيوب لتسليك المجاري بالخبر
شركة طيوب لتسليك المجاري بالجبيل
شركة طيوب لتسليك المجاري بالاحساء
طيوب للمجاري
طيوب لتسليك المجاري بالقطيف
طيوب لتسليك المجاري بالمنطقة الشرقية

خدمات متميزة يقول...

شركة تنظيف بالقطيف
شركة تنظيف منازل بالقطيف
شركة تنظيف مجالس بالقطيف
شركة تنظيف خزانات بالقطيف
شركة تنظيف كنب بالقطيف

شركة مكافحة حشرات بالقطيف
شركة مكافحة النمل الابيض بالقطيف
شركة كشف تسربات المياه بالقطيف
شركة شفط بيارات بالقطيف

Disqus for TH3 PROFessional